رغم الغزوات التى توالت على مصر ، وغيرت من لغة البلاد ، ودينها ، و لكنها لم تتمكن من النيل من عادات و تقاليد شعبها التى ورثها عن أجداده المصريين القدماء ، والتى لا يزال يتمسك بها معظم أهالى القرى والنجوع ، الذين لم يتغيرفيهم سوى لغتهم التى تحولت إلى العربية ، وديانتهم إلى الإسلامية أوالمسيحية ، أما ملامحهم وعاداتهم وتقاليدهم التي يسيرون عليها فى حياتهم اليومية ، والمنازل التى يسكنوها ، والأدوات الزراعة التي يستخدمونها فهي فرعونية أصيلة .
تقديس الطبيعة والحيوانات
من المعروف أن قدماء المصريين قد ظلوا يعبدون الشمس زمنا طويلا ، بإعتبارها مصدر الحياة لجميع الكائنات الحية ، وقد لا يصدق البعض إن عادة تقديس الشمس لا تزال سارية حتى اليوم فى بعض قرى الوجه البحرى خاصة ، الذين نجدهم يقسمون بالشمس قولهم ( وحياة الشمس الحرة أو وحياة الشمس البهية ) وعادة رمى السن فى الشمس والقول ( يا شمس يا شموسة خذى سنة الجاموسة و هاتى سنة العروسة ) ، كذلك عادة تقديس أنواعا مختلفة من الأشجار وخاصة شجرة الجميزلأنهم
كانوا يعتقدون بإن الألهة ( هاتور ) أو ( نوت ) قد حلت فيها ، وهناك العديد من الرسوم على جدران المعابد التى تصورالميت وهو واقفا أمام شجرة هليوبوليس المقدسة التى برز منها الآلهة بعد أن قدم لها القرابين المختلفة ، ولايزال المسلم والقبطي المعاصريمارس هذه العادة حيث نجد عند الأقباط شجرة المطرية التى تعرف بشجرة العذراء مريم ، وهى أقدم شجرة جميز معروفة فى مصر ، ويروى إن السيدة العذراء قد إستظلت تحت كنفها الوارف الظلال عندما جاءت إلى مصر ومعها السيد المسيح وهو طفل ، وفى إحدى قرى الفيوم نجد شجرة
الشيخ " صابر" التى يتوافد إليها كل ذى حاجة ، حيث يقوم بدق مسمارملفوف عليه خصلة من الشعرعلى جذعها ، وهو واثقا من قضاء حاجته أيا كانت ، كما إن شجرة الجميز تكاد أن لا تخلو جبانة مصرية حديثة منها ، أو ضريح من أضرحة الأولياء و المشايخ ، وهناك العديد من أسماء المدن المصرية التى تدل على تقديس هذه الشجرة مثل( الجميزة ، السنطة ، النخيلة ..ألخ )
و من آلهة الفراعنة التى إعتادوا تقديسها القطط التى كانت تعرف بإسم الألهة ( باستت ) ، والثعبان الذى كان يقوم بحماية الأماكن التى يسكنها فى الحقول ، والغابات ، والكهوف ، والجبال ، والتمساح الذي كان يعلق على أبواب المنازل ويسمى ( السبك ) ، كما أن الإعتقاد الشائع بوجود قرين لكل شخص تحت الأرض هو إعتقاد موروث عنهم ، فقد كانوا يعتقدون أن كل شخص له روح أو قرين أطلقوا عليها ( الكا ) والتى كانت تلازم الفرد طوال حياته ، و كانت تسبقه إلى المقبرة بعد وفاته لتقوم بخدمته فى العالم الآخر.
السحروالشعوذة
كما أن السحر، وأحجبة الحب و الكره ، و الوقاية من العين و الحسد ، والأمراض المختلفة ما هى إلا عادات ورثناها عن قدماء المصريين ، فقد إشتهرت مصر منذ قديم الأزل بالسحر الذى كان يمارسه الكهنة فى المعابد ، و قد وجد فى مكتبة معبد الاله ( حورس ) فى ادفو كتاب يحوى العديد من الرقى و التعاويذ لطرد العين الشريرة ، كما أن هناك أنشودة للاله ( تحوت ) ورد فيها الأتى :( أيها اله تحوت إذا كنت تحمينى لم تبق بى حاجة إلى الخوف من العين ) ، وقد إعتاد المصري القديم أن يلجأ إلى الساحرإذا أراد التفريق ما بين الزوجين ، والتعلق بآخر ممن كان موضع الكره من قبل ، أو إذا أراد
التخلص من عدو فكان يعذبه بما يسلطه عليه من أحلام مزعجة ، و أشباح مرعبة ، بل قد يسلط عليه الأمراض المختلفة التى كانت تنهك قواه و تهد بدنه ، وكان الساحر يطلب فى مثل هذه الأحوال أن يؤتى له بقليل من دم الشخص المطلوب ، أو جزء من أظافره ، أوخصلة من شعره ، أو قطعة من ثيابه ليقوم بعدها بصنع تمثال من الشمع على هيئة الشخص المطلوب العمل له ، ثم يضع عليه ملابسه و الأشياء التى طلبها ، ويبدأ فى قراءة بعض التعاويذ السحرية ، وكان إذ ا دق مسمار فى التمثال أصيب الشخص بمرض ، وإذا قربه من النار أصيب بحمى شديدة ، وإذا طعنه بسكين قتل أو جرح ، وهكذا حتى يقضى على الشخص المطلوب ، و قد ورد فى بعض البرديات أن هذا النوع من
السحر قد إستخدم ضد الملك رمسيس الثالث الذى تمكن من إكتشاف أمره و تم القبض عليه و مصادرة ما وجد لديه من تماثيل صنعت على هيئته ، وحتى اليوم لا تكاد تخلو قرية من ساحر يغدق عليه أهلها من الأموال و الهدايا ، و يضعوا فيه ثقتهم ، كما أن عادة حرق البخور فى المعابد ، وفى الطقوس الدينية مأخوذة عنهم ، و التى لا تزال منتشرة فى بيوتنا ، وفى المساجد والكنائس ، وحفلات الزار فقد ورد فى إحدى البرديات قصة الأميرة ( بختن ) التى حلت فى جسدها روح شريرة لم تخرج من جسدها إلا بعد أن إشترطت على الاله ( خنسو ) أن يقام لها إحتفال فخم تقدم لها فيه القرابين والضحايا ، عادة تعليق البصل على باب البيت ليلة شم النسيم فى القرى والنجوع المصرية أو وضعه تحت الوسادة ، وفى الصباح يكسرالبصل ويشم !
أنظر حولك !
عادة الزواج المبكرفى القرى و النجوع المصرية ، والإكثارمن الأطفال حتى تكون لهم أسرة كبيرة مأخوذة عن الفراعنة ، وقد أوصى الحكيم المصرى ( آنى ) إبنه قوله ( إتخذ لنفسك زوجة وأنت صغير حتى تعطيك إبنا تقوم على تربيته و أنت فى شبابك ، وأن السعيد من كثرت ذريته ويكون محل توقير الجميع ) وهى الوصية التي إعتاد المسنين من الفلاحين أن يهمسوا بها فى أذن أبناؤهم ، وعادة الختان التي كانت تجرى للأولاد ما بين السادسة والثانية عشر في المعابد ،والتى كانت حتمية على كل من يقومون بالطقوس الدينية ، ولكنها لم تكن فرضا على الشعب ، ولكنها أصبحت كذلك عند اليهود فيما بعد ، وسنة عند المسلمين ، رغم إننا لا نجد لها أثرا فى الكثيرمن الرسوم .
كما أن بيوت الفلاحين تتشابه مع منازل الفراعنة التى وردت فى رسومهم على جدران المقابر ، فهى تبنى مثلها من الطوب اللبن الذى يرص فى الشمس حتى يجف ، كما إنهم يجلسون على الأرض ، ويأكلون على نفس الطبلية التى كان يأكل عليها أجدادهم الذين كانوا يشربون فى إناء صنع من الفخار يشبه ( القلة ) أومن ( زمزمية ) من الجلد كما هو الحال اليوم ، و عادة مضغ اللبان فقد إعتادت المرأة الفرعونية ان تصنع حبوبا من ( حصا اللبان ) وتضيف إليها العسل النحل ، وتمضغها لتجعل من أنفاسها طيبة الرائحة أوتسهيلا لعملية الهضم ، وحلاق القرية الذي يجلس في الهواء الطلق على مقعد منخفض ، ويمسك برأس الشخص بيده اليسرى ليحلق له
بالموس هي نفس الصورة التى وجدت على جدران مقابر طيبة في الأقصر ، والتى تتكرر في القرى وحتى في العاصمة إلى جوار سورحديقة الأزبكية ، كما أن عادة غسل الملابس فى النيل مأخوذة عنهم ، وقد إعتاد أجدادنا إستخدام مادة لتنظيف الملابس من دهن الحيوان تقابل الصابون فى الوقت الحاضر ، و أحيانا ما كانوا يستخدمون النطرون لتنظيف الأوساخ الدهنية ، وقد وجدت العديد من الرسوم فى عصر رمسيس الثانى فى ( مقبرةأبى ) بدير المدينة فى طيبة القديمة بالأقصر !
عادات موروثة !
التمسك بالوظائف الحكومية هى عادة موروثة أيضاً عن الفراعنة ، فقد ورد في إحدى النصوص القديمة وصية أب لإبنه قوله ( بلغني إنك أهملت دراستك ، وسرت وراء ملاهيك ، فهل تريد أن تصبح جنديا أوفلاحا تشقى وتكدح ، بل كن موظفا يحترمك الجميع ويمتلىء منزلك خدما وحشما ، وتتربع في مجلس الثلاثين إلى جوار رجال البلاط ) وكذاعادة مداهنة المسئولين وإبتغاء رضاهم حيث أوصى الحكيم بتاح حتب إبنه قوله ( أنحنى أمام رئيسك حتى يستمررزقك ، و مرتبك جاريا ، وبيتك مفتوحا ، و ا تعصي من بيده السلطة لإن فى عصيانه شر مستطير.. ! )
وهناك عادة وضع القلم خلف الأذن التى يزاولها المئات كل يوم من كتبة المحاكم ، والمحصلين في القرى والأقاليم المختلفة ، فقد إعتاد الكاتب المصرى القديم أن يزاول هذه العادة بعد أن ينتهى من تدوين مذكراته على لوح الكتابة .
الإسراف فى الولائم و الأفراح حيث أن قاعات منازل الأثرياء من الفراعين القدماء طالما شهدت مثل هذه الموائد الفاخرة التى كان يدعى إليها العشرات و كانت تتخللها الموسيقى ، و الرقص و الغناء ، و كان الضيف بعد الإنتهاء من الطعام يتقدم منه رجلا يقوم بصب الماء على يديه من أبريق فى طشت يتشابه مع ما كان يقوم به - سى السيد - فى بيوتنا المصرية ، وعادة المغنيين وضع كفهم على خدودهم عند الغناء ، والراقصات الاتى يصرفن فى التكحل ، وغمرالخدود بالأصباغ ، وفى أيديهن نفس الطبلة ، والرق ، والطار ، كما تعود
أسلافهن فى العصر الفرعونى ، وكذلك عادة التصفيق المصاحب للغناء ، والطرقعة بأطراف الأصابع ، وإظهار الإعجاب بصوت المطرب بأن يطوح الشخص ملابسه أو طربوشه فى الهواء ، فقد ورد فى إحدى النصوص وصف الإحتفال بقدوم الميت إلى العالم الآخر حيث وجد الآلهة فى إنتظاره متدثرين بملابسهم ، و منتعلين نعالا بيضاء ، يطوحون بها فى الهواء من الفرح بمجرد دخوله عليهم !
وقد عرفت المرأة الفرعونية المرايا ، والقلائد ، والأساور والأقراط ، والخواتم ، والخلاخيل ، والأمشاط ودبابيس الشعر ، والمكاحل ، والعطور ، وأدوات الزينة المختلفة ، وطلاء الظافر ، وأحمر الشفاه ، ، كما عرفت الحناء التى لا تزال تستخدمها المرأة حتى اليوم فى خضاب يديها وقدميها ، وصبغ شعرها ، وعرفت الوشم الذى يعتبرمن أقدم العادات التى مارسها السومريون - سكان جنوب وادي دجلة و الفرات - منذ مطلع التاريخ ، وكثيرا ما قام عامة الشعب بوشم فى جباههم ، أوذقونهن .
حظك اليوم !
أما عن الأبراج والتنبؤات اليومية فقد ورد فى تقويم يقوم على أساس السحر ، فقد آمن الفراعنة بإعتبار اليوم سعيدا أو نحسا تبعا لحادث معين وقع فيه الآلهة ، والتى كانت بالتالى تقررمستقبل الأفراد ، ومنها اليوم الأول من أمشيرالذى رفعت فيه السماء ، واليوم السابع و العشرون من هاتورالذى عقد فيه الصلح ما بين الإلهين - حورس و سيت - وتراضيا على اقتسام العالم بينهما ، واللذين يعتبرا يومان كلهما سعد وبركة ، أما اليوم الرابع عشر من طوبة الذى بكت فيه ( إيزيس ونفتيس ) على ( أوزيريس ) فقد كان يوما منحوسا ، ولذلك كانوا يتجنبون فيه السفر البعيد ، أو عقد الصفقات
التجارية و غيرها ، وقد كان شهر توت من أقدس شهور العام لأنه كان يرمز للاله ( توت ) اله الحكمة والعلم ، و لكن ورد تحذيرمن أحد الأيام فيه قولهم ( لا تدع النور يسقط عليك فى هذا اليوم حتى غروب الشمس ، ولا تستمع فيه إلى الغناء أوالرقص لأنه يوم مشئوم تشاجر فيه الإلهان حوريس و ست ) ، أما أيام النسىء الخمسة التى تكمل العام فهى ترمز عندهم إلى ولادة الآلهة ( أوزيريس و إيزيس وحوريس وست ونفتيس )
عادات جنائزية !
لقد وجدت العديد من النقوش فى المقابر الفرعونية التي تصور زوجة المتوفى وهى تقوم بخلع حليها ، وأساورها ، وقلائدها بعد أن يلفظ الميت أنفاسه الأخيرة ، بينما الرجال يطلقون الشعر، واللحية كمظهرمن مظاهر الحداد ، كما تظهر مجموعة من النساء اللاتي يخرجن عقب الوفاة مباشرة ، وهن يتشحن بالسواد ، ويمسكن بمناديل سوداء أو زرقاء ، وقد تلطخت وجوههن ، و رؤوسهن بالوحل ، وأخذن يتجولن فى الطرقات ، والدوران حول القرية أوالنجع سبع مرات ، وهن يصرخن
بأصوات عالية حزينة ، ويلطمن الخدود ، ويضربن الصدور، ويشققن الجيوب ، فإذا فرغن من هذا العمل عدن إلى المنزل ، حيث يكون الرجال قد تجمعوا وجلسوا أمام المنزل ، بينما تبدأ فى التوافد مجموعة من النديات المحترفات اللآتى أقبلن ، وهن يحملن معهن طبولهن اللاتي يستمر قرعها مدة قد تمتد إلى سبعين يوما ، وهى المدة التي تمضيها جثة الميت ما بين أيدي المحنطين ، ويظل أهل المتوفى خلال هذه الفترة لا يرتدون من الملابس إلا أبسطها ، ولا يقتربون من الخمر ، فإذا تم الانتهاء من تحنيط الجثة ، وتسلمها أهل الميت من المحنطين ، يبدأ حينئذ الإعداد لموكب تشييع الجنازة التي كانت تسير فى موكب مهيب
يتقدمه فريق من الخدم يحملون الزهور، وأواني الزيوت ، والعطور، والبخور، ويتلوهم مجموعة أخرى من الرجال يحملوا قوارير بها مياه مقدسة ، ثم عدد من النسوة من عائلة المتوفى ، ومعارفه ، و قد عصبن رؤسهن ، و أخذن يتباكين ، وقد نثرن التراب فوق رؤوسهن ، وأخذن يلطمن الخدود ، ويضربن الصدور ، وهن يصفن أخلاق الميت ، وما له من حسنات ، فإذا وصل
الجمع إلى النهر، يتم وضع تابوت الميت في قارب ، يحيط به عدة قوارب أخرى تضم بنات ، و زوجات ، وقريبات المتوفي ، وهن يصرخن ، ويتباكين بكاء مرا ، فإذا وصلوا إلى الجانب الآخرمن النهر، أنزلت الجثة ، وسار الموكب حتى يصل إلى المقبرة ، ثم ترفع المومياء إلى جوار المقبرة ويرش أمامها الماء المقدس ، ليبدأ الكهنة طقوسهم الدينية بتلاوة فصولا من كتاب فى أيديهم .
هذا المشهد يماثل ما يحدث اليوم من ضجة ، وصراخ ، وعويل يسود أرجاء المنزل ، عقب الوفاة مباشرة فى القرى أوالنجوع المصرية ، فقد ورثنا عادة البكاء على الميت عن الآلهة ( إيزيس ) عندما بكت زوجها الإله ( أوزوريس ) بعد أن مزق جسده أخاه ( ست) إلى أربعين جزء ، وقام برمي أشلاؤه فى أقاليم الوادي الأربعين ، وقد أقام أجدادنا القدماء للآله ( أوزوريس) الذي أصبح رمزا للاستشهاد أربعين قبرا لكل جزء من جسده بعد تحنيطها مدة أربعين يوما ، ولفها بالأقمشة الكتانية - وقد ورثنا هذه العادة عنهم - ثم تشييعه إلى مثواها الأخير فى احتفال مهيب ، وقد أصبحت هذه القبور
مكانا يتبرك به الناس الذين يأتون لزيارته من كل حدب و صوب ، ومن هنا جاءت عادة - ذكرى الأربعين - وكذلك عادة زيارة القبور أيام الخميس ، والجمع ، وتقديم الزهور ، وتوزيع الصدقة على أرواح الموتى ، ونحر الذبائح فى طلعة العيد أو فى الأعياد الإسلامية ، حيث أن عامة الشعب يعتقدون أن أرواح الموتى تعود إلى قبورها فى يوم الطلعة تنتظر رؤية أقاربها هناك ، كما أن هناك اعتقاد سائدا ما بين الفلاحين أن بعض زائري القبورقد شاهدوا عددا من الطيور الخضر
الصغيرة وهى ترفرف على مقربة من المقابر ، واعتقادهم بان هذه الطيورهى أرواح الموتى المدفونين هناك ، وهذا الإعتقاد مصدره قدماء المصريين الذين كانوا يعتقدون إن روح الميت تعود على شكل طائر يسمى ( با ) كان ينزل إلى غرفة دفن الميت ليتحد مع جسده الراقد فى المقبرة ، وهناك مئات الرسوم الرسوم الجدارية التي تمثل هذا الإعتقاد القديم ، كما تمثل العديد من طقوس - الطلعة فى الأعياد - حيث نجد مجموعة من
النساء وقد حملن باقات الزهور ، وسعف النخيل ، والسلال التي ملئت بالعيش ، والكحك ، والخيار ، والفواكة ، والبلح لتقديمها كصدقة على روح الميت للفقراء ، وكان الكتبة وغيرهم من الكهنة يرددون الأدعية والطقوس فى مقابرهم الفاخرة التي اعتادوا نحر الذبائح أمام بابها ، والتى عادة ما تقع فى الجهة الغربية حيث مملكة ( أوزوريس ) التي يحاكم فيها الموتى .
فخامة !
كانت المقابر الفخمة التي إعتاد قدماء المصريون دفن موتاهم فيها تذخربمظاهر البذخ ، والأبهة التي لا تزال تبهر أنظارنا حتى اليوم - و قد ورثنا هذه العادة عنهم - فقد كانوا يعملون طوال حياتهم فى إعداد مقرهم الأخير الذي كان يذخر بالنقوش ، والرسوم ، والحلي ، والجواهر، و الأثاث الجنائزي ، والملابس ، كما إن اعتقادهم بان روح الميت حين تعود إليها الحياة تكون فى حاجة ملحة إلى الأكل والشرب ، مما جعلهم يضعون مع الميت عند الدفن كمية من النبيذ ،
والطعام ، والشراب فى أواني مختلفة من المرمر ، ويتركونها على موائد ، أوعلي مقربة من تابوت المتوفي ، كما اعتادوا أن يضعوا داخل التابوت أوخارجه باقات من الأزهار أو زحف النخيل التي عثرعلى بعضها موضوعة داخل توابيت " توت عنخ آمون " ، وكانت المقابر عموما تعلوها لوحة من الحجر يذكر فيها اسم المتوفي وألقابه ومناقبه ، وما قام به من أعمال فى حياته ، وتنتهى بطلب الدعاء له بالرحمة والمغفرة ، وهو المشهد الذي يماثل العديد ما يتكرر في العصر الحديث .
أصحاب نكتة !
أخيراً فانه على عكس المقولة السائدة بان قدماء المصريين كانوا أكثرإهتماما بالحياة ما بعد الموت ، والاستعداد لها من خلال تشييدهم المقابر الفخمة داخل الأهرامات التي تعد من أكبر قبور التاريخ ، فقد تبين من العديد من البرديات ، ونقوش المقابر ومنها مقبرة ( أمنحتب الثانى ) ، ومقبرة ( سيتي الأول ) ، و( رعموزا ) فى مدينة طيبة القديمة بالأقصر، والعديد من جدران قبورالنبلاء فى عصري الدولتين القديمة و الوسطى ، إنهم كانوا من أكثر شعوب الأرض تفاؤلا وحبا للحياة ، وإنهم كانوا يتمتعون بروح الدعابة ، والمرح ، وحب النكتة ، التي هي خير دليل على دماثة خلقهم ، وطبعهم
الهادىءالوديع ، وتشيرالكاتبة الأمريكية آنا رويز- العضوة فى جمعية دراسة الآثار المصرية فى كندا - فى كتابها ( روح مصر القديمة ) إلى استخدامهم فن الكاريكاتيرالذى ارتبط عندهم بالكتابة الهيروغليفية للتعليق على الصور الساخرة ، والرموز المعبرة عن التكوين الفني الطبيعي للعناصر البشرية ، والحيوانية ، أوالنباتية ، لقد كانت هذه الرسوم الهزلية هي وسيلة العامة من الشعب فى اللهو والتسلية ، بينما كانت وسيلة الخاصة للإفادة منها بالحكمة والموعظة الحسنة ، وقد دأب أحفادهم من بعدهم على السيرعلى خطى الأجداد والسخرية اللاذعة من أنفسهم ومشاكلهم ، حتى يتمكنوا من مواصلة حياتهم ، ومواجهة أعباء الحياة ، وما يعترضهم من مشاكل و تحديات !
وبعد عزيزي القارىء فما أشبه الليلة بالبارحة ، فإننا لا نزال نمارس ذات الطقوس التي ورثناها عن أجدادنا القدماء منذ سبعة الآف عام ، بعفوية و دون وعى منا ، وعلينا اليوم أن نتوقف ، ونعيد تأمل ، ومراجعة العديد من عاداتنا وتقاليدنا الموروثة والتي هي بدع وليست من الأديان السماوية فى شيء ، وهى أولى خطوتنا نحو الطريق الصحيح أن نتمسك بأصالتنا وأخلاقنا والأخذ بما يتناسب مع روح العصر، وترك مالا يتناسب مع العقل والمنطق ، والتفكيرالعلمي الذي ينبغي علينا أن نأخذ به من أجل نهضة ورفعة أمتنا !